Welcome to Al Jalees Times – your gateway to books & culture.

الخبيث الكبير

الخبيث الكبير

لطالما اعتقدت أن أصعب ما يواجهه الأنسان هو تجربة الفقد، إلا أنني للمرة الأولى أجد نفسي أمام أسئلة تحيط بتجربة أكثر ألماً؛ وهي أن يواجه الأنسان فقد ذاته وجهاً لوجه.

انتهيت مؤخراً من مشاهدة مسلسل the big C؛ ورغم أن النهاية كانت معلومة إلا أنني بكيت وكان بكاء حقيقي وجاد، مما أعده علامة على تميز العمل لأن الغاية من الأعمال الفنية والدرامية أن تهزك بطريقة لن تنساها، ويا لها من طريقة لقضاء نهاية الأسبوع.

ربما ما لفتني في هذا العمل الرسالة الدائمة التي استشعرتها في الحبكة بأن نتوقف عن جعل مريض السرطان بطلاً.

يعطي المجتمع مريض السرطان كتالوج البطولة الذي يجب أن يلتزم به، ربما لم يخطر لنا كم يثقل ذلك كاهل المريض متجاوزاً تعبه و مرضه، فيجد أن من واجبه أن لا يستسلم أو ينهار أو يصرخ في وجه العالم كما يحق له أن يفعل.

نجح العمل في رسم كاثي بوصفها شخصية بعيدة عن المثاليات؛ فهي تجر عائلتها إلى الفوضى، وتخطئ في تقدير المسافة بين ما أرادت أن تمنحه لعائلتها وما انتهى بها الأمر إلى خلقه. 

لا يحاول المسلسل أن يجعلنا نحب كاثي أو أن نشفق عليها، فمنذ البداية، يضعنا أمام حقيقة أن احتمال موتها أكبر من احتمال نجاتها، فيدور العمل حول كيفية عيشها لما تبقى من حياتها، فنجد أننا لا نتعاطف مع كاثي بقدر ما نتفاعل معها ككائن بشري.

أعادني العمل  إلى امرأة عرفتها في حياتي، قلقة، شديدة الانشغال بالتفاصيل، وتنظر إلى الحياة من شعور منخفض بالاستحقاق. ثم مرت بتجربة قاسية مع مرض السرطان، لم أشهد فترة مرضها، لكنها تعافت وعادت إلى حياتها، والتقينا بعدها عدة مرات. كنت أتوقع، بشكل تلقائي، أن شخصيتها قد تغيرت بعد تجربة المرض، لكنني وجدتها كما عرفتها؛ ما زالت قلقة، وما زالت ترى الحياة من المنظور نفسه.

ثم باغتني هذا الحكم الذي أطلقته والذي بدا لي  أمراً بديهياً، كأننا نتوقع من هذه التجربة أن تعيد تشكيل الإنسان بالكامل، وأن تجعل منه نسخة أفضل.

هل هو تصور اجتماعي مفروض في اللاوعي؟ أم أنني أميل لتحليل وانتقاد الآخرين مما يتطلب معه معالجة هذا الخلل في شخصيتي.

المرض لا يؤدي وظيفة أخلاقية أو يحرر الأنسان من عيوبه ومخاوفه، هو من أصعب ظروف الحياة، وهو يضيف إليها دوائر جديدة من القلق والصراعات وربما المخاوف التي تمتد إلى ما بعد الشفاء لإدراك الإنسان بأنه غير محصن تجاه الموت كتجربة حقيقة وليس فقط مجرد فكرة.

من خارج التجربة، نرغب بشدة أن نصدق أن الاقتراب من الموت يمنح الإنسان نوعاً من التجلي أو القدرة على إعادة ترتيب الحياة، لكن الواقع أقل رومانسية من ذلك. 

أن الحياة اليومية لكاثي لا تختلف عن حياتها التي تسبق مرضها، فأن سمحت لها الكآبة والثقل الذي يصاحب مرضها فهي تمارس حياته اليومية المعتادة؛ كما تعيش أياماً سعيدة واستثنائية. ويحرك المرض كاثي في اتجاه يستقبل شخصيات جديدة مصحوبة  بعلاقاتها الإنسانية بكل ما فيها من تعقيد، ويندمج المرض في نسيج حياتها اليومية.

ومن منظور تأثير المرض على العائلة، تتجلى علاقة كاثي بإبنها بوصفها تتغير تدرجياً، فشخصية الأبن لا تتبدل نتيجة لإكتشاف مرض والدته، بل تبدأ هذه العلاقة بالتحول بشكل تدريجي نتيجة لمسار النضج الشخصي للإبن، إذ يصبح وعيه تجاه مرض والدته انعكاسًا لنضجه الذاتي، لا إستجابة انفعالية لحالة طارئة.

ويطرح العمل تساؤلات حول الممارسة الطبية، فالمهن الصحية تقوم في جوهرها على تواصل إنساني، غير أن طبيعة النظام الصحي قد يدفعان أحيانًا إلى تقليص هذا البعد، بحيث يُختزل المريض إلى “حالة”.

لا يلجأ الإنسان إلى المؤسسة الطبية إلا بعد استنفاد خياراته الأخرى، ويمثل ذلك لحظة هشاشة إنسانية تستدعي قدرًا من التواضع والاستجابة. ومن هنا، ينتقد العمل تحول بعض الممارسات الطبية إلى طابع تقني بارد، مسلطاً الضوء على الحاجة الدائمة إلى إعادة تفعيل البعد الإنساني في الرعاية الصحية.

وبشكل عام يتحرك العمل في كوميديا سوداء فلا تغلب عليه رتابة الحدث أو التوقف عند فقرات الحزن مطولاً. يسخر العمل من الموت مما يشكل درعاً في  مواجهة  الحياة.

كما و يتميز العمل بعدد من الرموز، من أهمها رمزية الماء، التي تشكل خطًا دلاليًا ممتدًا عبر تطور حالة كاثي النفسية والجسدية. فمع بداية معرفتها بمرضها، تسعى إلى بناء مسبح في حديقة منزلها لتحقيق حلم قديم كان يراودها، مما يشكل رمزية لاستدراك الحياة أو التمسك بها. ومع تقدم الأحداث، تتجه كاثي إلى تعليم السباحة في المدرسة التي تعمل فيها متحدية كل الصعوبات التي تقف في وجه هذه المحاولة، في إشارة إلى محاولة اندماجها مع فكرة  محاربة المرض. ثم يتجه هذا المسار الرمزي إلى المراحل الأخيرة من مرضها؛ إذ تكاد أن تغرق كاثي أثناء رحلة بحرية وتدخل في تجربة تتداخل فيها الحياة مع الموت وذلك مباشرة بعد معرفتها بأن حالتها الصحية تتراجع، وكأن الماء يتحول  إلى بوابة عبور نحو النهاية. وبهذا، يصبح الماء عنصرًا مركزيًا يعكس تحولات البطلة النفسية عبر مراحل المرض من الصدمة، إلى التقبل، إلى التسليم.

يطرح العمل فكرة أن الموت ليس لحظة صاخبة بقدر ما هو انتقال صامت، وأن قسوته تكمن في الوعي المسبق به، وهذا الإدراك تحديدًا هو ما يجعل تجربة فقد الذات تجربة إنسانية معقدة، تتجاوز الألم اللحظي إلى مواجهة عميقة مع فكرة الزوال.

© 2026 Al Jalees Culture Club. All Rights Reserved.
Written by Humans | Powered by Ghost