الغرفة المنسية
المكان هو خشبة المسرح الذي تتحرك فيه مشاهد حياتنا، وفي هذه المسرحية الطويلة والروتينية والتي يعاد فيها صناعة الحبكة وتكرار الأزمة يفضل أن تكون خلفية المشهد فيه لافتة، لنضمن على الأقل أننا نتحرك في محيط يشبهنا وأن كانت الأحداث عكس ذلك.
تغني فيروز:
"بيتي صغير بكندا.. من حوله كل المدى.. وحدي منسية.. على شبابيك بيتي بكندا.. بعرف السعادة هون في قلب بيتي الصغير بكندا”
فكيف نحقق هذه الحالة الغنائية الساحرة بأن نحول حياتنا إلى الغرفة المنسية التي تشبهنا.
أن المساحة المكانية التي نعيش فيها تعيد تشكلينا باستمرار. الأماكن التي أنتمي إليها شخصياً محدودة، غرفتي، مكتبي، أماكن التمشية التي لا أغيرها أبداً، المقاهي المحدودة التي ألجأ إليها والقلوب التي أتكور فيها كالقطة ما أن أجد مكان دافئ وأيداً اختبأ فيها.
أجد أن تقديس الآخرين للأماكن مؤشر على الوفاء والالتزام، فمهما و مهما سئمنا نذهب لذات الأماكن، وكأن الأماكن تنتظرنا في موعد.
إعارة وإهداء الأمكنة:
إعارة المكان فعل حميم يتمثل في أن يشاركك الآخرون أماكنهم التي يحبون معبرين عن رغبتهم في أن تشاركهم إياها كإطار لمشاركة الذكريات.
وقد يتجاوز أمر هذه الإعارة المشتركة إلى الإعارة الفردية بأن يُسمح لك بالذهاب وحدك لهذا المكان أو مع غيرهم، وفي ذلك كرم جزيل.
أما الإهداء فيتمثل في منحك للمكان من شخص لم يعد جزء من مساحاتك المكانية.
في أغلب الأحيان تختفي هذه الأماكن مع هؤلاء الأشخاص و ننتزع نحن من أنفسنا المكان ونتجنبه كأننا نحاول أن ننتزع مع المكان هؤلاء الراحلين.
أماكن غير مألوفة تنتمي إلينا:
أعتقد أن الرغبة العارمة بالسفر والترحال تأتي من قدرة هذه التجارب على تغيير المساحة المكانية بالكامل، وفي انتزاع المساحة من حولنا وإقحامنا في مساحة جديدة. يحمل ذلك طابع النفض من كل متعلقات المكان التي تحيط بحبكة حياتنا المعتادة.
نحن نحتفظ بالأماكن التي ارتحلنا إليها في دواخلنا ونعود بها إلى الديار مرسخة لدينا هذه التجارب مفهوم الاتساع وضآلتنا أمام هذا الاتساع.
وهنالك أماكن لا تكون موجودة على أرض الواقع، تخترعها مخيلتنا ونتوق إليها، قد يكون بيت نحلم فيه أو أماكن عشوائية يصنعها عقلنا ويخلق فيها قصص تقيه تصدعات الواقع.
ومن الأماكن التي ينتمي إليها الإنسان الأمكنة الروحية، فقد نتردد في تغيير سجادة الصلاة لأنها أصبحت المكان الذي يلتقي فيه القلب بالله، فلا نتجرأ على تغيرها أو تغير مكان الصلاة خوفًا من أن يتبدد ذلك الحضور الذي ألفناه أو أن تغادرنا الطمأنينة التي استغرقنا وقتًا طويلًا حتى وجدنا طريقنا إليها.
كما يوجد المكان، يوجد أيضًا اللامكان؛ و يوضح عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي مارك أوجيه مفهوم اللامكان بأنه المساحات التي نمر بها دون أن ننتمي إليها. فالمكان هو ما يحمل قصة وذاكرة وانتماء، أما اللامكان فهو فضاء للعبور فقط، مثل المطارات، والطرق السريعة، والفنادق، ومحطات القطار، ومواقف السيارات.
ويرى أوجيه أن المكان الحقيقي يمتلك ثلاث خصائص أساسية: هوية يشعر الإنسان بأنها تعبّر عنه، وعلاقات تنشأ بينه وبين الآخرين، وتاريخًا أو ذاكرةً تحتفظ بالقصص والتجارب. فإذا غابت هذه العناصر، أصبحت المساحة أقرب إلى اللامكان.
ويتحدى آلان دو بتون هذه الفكرة في كتابه عمارة السعادة ليؤكد على تعلقنا باللامكان فيخبرنا:
" ليس ضروريًا أن توفّر لنا تلك الأماكن التي ندعوها «بيوتنا» أماكن إقامة دائمة، ولا أن تكون أماكن نضع فيها ملابسنا، حتى تستحق هذا الاسم. فاستخدام كلمة «بيت» في الإشارة إلى مبنى من المباني ليس أكثر من الإقرار بأنه متناغم مع نشيد داخلي نُجلّه في أنفسنا من الممكن أن يكون ذلك «البيت» مطارًا أو مكتبة أو حديقة أو مطعمًا يستقبل المسافرين على الطريق"
لماذا نحن ميالون للتأثر بالمكان:
يطرح آلان دو بوتون في كتاب عمارة السعادة سؤال مهم في هذا السياق:
"لماذا نحن ميّالون إلى التأثّر، بل ميّالون كثيرًا إلى التأثّر، بما تقوله الأماكن التي نقطنها“
ويجيب عليه بطريقة ساحرة:
"نحن متّكلون، اتّكالاً غير مباشر، على ما يحيط بنا لكي يجسّد ما نحترمه من أمزجة وأفكار، ولكي يذكّرنا به. نتطلّع إلى مبانينا لكي تبقينا مشدودين إلى نظرة متفائلة إلى أنفسنا كأنها نوع من ملاذ نفسي"
المكان أذن هو امتداد متجسد لما يجول في أنفسنا من أمزجة شخصية، ذوق وتعقيد.
نحن نحاول أن نتحدث من خلال الأماكن، وكأننا نرسم الداخل من خلال المكان.
ومن هنا أتمنى لك عزيزي القارئ أمكنة آمنة، ومساكن ساكنة تسكن فيها كل مخاوفك، وألا تضيع أبداً في أماكن لا تشبهك أو أن تعلق في اللامكان أو حيث غادر أحبتك، ولا تنسى أن تجعل قلبك مكان آمن لمن يبادلك هذا الأمان.