Welcome to Al Jalees Times – your gateway to books & culture.

أبي الذي أكره.. دعوة للمحبة

أبي الذي أكره.. دعوة للمحبة

لماذا يصعب أن نسامح آباءنا؟

هناك جراح لا نراها في الجسد، لكنها تبقى معنا سنوات طويلة.

قد يزيد عمرك، فتنضج وتنجح، وتكوّن أسرة، وتظن أنك تجاوزت طفولتك.. ثم فجأة في موقف عابر، أو علاقة جديدة، أو كلمة قاسية، تجد أن الطفل الذي كنته ما زال يختبئ داخلك.

فهل علاقتنا بأحد أبوينا المسيئين، يمكن أن تفسد علينا مستقبلنا كما أفسدت ماضينا؟ هل تستمر الإساءة وسوء التربية في تشكيلنا حتى بعد أن نصبح بالغين؟

وماذا عن الاعتراف بأن الأب كان سببًا في جرحنا؟ هل نحن بذلك أبناء عاقون، أم أنه أول خطوة نحو التعافي؟

من هذه المنطقة الحساسة يبدأ الدكتور عماد رشاد عثمان كتابه "أبي الذي أكره".

كتاب أثار كثيرًا من الجدل منذ صدوره، ليس بسبب عنوانه الصادم فحسب، بل لأنه اقترب من منطقة محرمة، يتم التكتم دومًا عن مشاعرها فلا شكوى ولا حديث مقبول، ونتعامل معها باعتبارها أمورًا محظورة.

لكن المفاجأة أن الكتاب لا يدعوك إلى كراهية الأب، ولا إلى محاكمته، بقدر ما يدعوك إلى فهم الأثر الذي قد تتركه إساءات الطفولة في الإنسان، وكيف يمكن لهذا الأثر أن يرافقك إلى علاقاتك، واختياراتك، وصورتك عن نفسك، وحتى ردود أفعالك مع أبنائك، أي بعد مرور سنوات طويلة.

ليس كتابًا عن الآباء.. إنه عنك أنت!

منذ الصفحات الأولى، يبتعد الكاتب عن خطاب اللوم والانفعال، ويختار أن يتعامل مع الموضوع من زاوية نفسية وإنسانية. فهو لا يحاكم الآباء بوصفهم أشرارًا، ولا يقدم الأبناء باعتبارهم ضحايا دائمين، وإنما يحاول تفسير ما يحدث داخل النفس حين يكبر الإنسان وهو يحمل جراحًا لم تُفهم ولم تُعالج.

ويستند في ذلك إلى خبرته كطبيب نفسي، مع الحفاظ على لغة سهلة بعيدة عن التعقيد الأكاديمي، تجعل القارئ يشعر أنه يقرأ عن نفسه، لا عن حالات معقدة تدور في المعامل والأبحاث.

أبجد: أسلوب جديد للقراءة العربية
قُل وداعاً للكتب المنسوخة ذات الجودة الرديئة! حوّل هاتفك إلى كتاب واستمتع بتجربة قراءة لا مثيل لها. آلاف الكتب تنتظرك عل أبجد

الطفل الداخلي لا زال يبحث عن الاحتواء!

من أهم الأفكار التي يناقشها الكتاب أن الطفولة ليس بالضرورة أن تنتهي بانتهاء سنواتها.

فالإهمال، أو القسوة، أو الغضب المستمر، أو الحرمان من الاحتواء، قد تتحول مع الوقت إلى أصوات داخلية ترافق الإنسان في حياته كلها. قد يخاف من الرفض دون أن يعرف السبب، أو يشعر بأنه لا يستحق الحب، أو يبالغ في إرضاء الآخرين، أو يعجز عن بناء علاقات مستقرة.

اقتباس: "صار الحزن هو اللغة التي أفهمها من المشاعر، وحتى هذه اللحظة لا أظن أني أتقن التعامل مع الفرح، أو أنني أتمكن من استقبال مشاعر كالامتنان أو البهجة أو المرح".

لا يكتفي الكاتب بوصف أنماط سلوكية متجذرة فينا، بل يحاول أن يربط بينها وبين جذورها، ليصبح فهم الماضي وسيلة لفهم الحاضر، لا للبقاء أسيرًا له.

لماذا نكرر ما يؤذينا؟

من الأفكار اللافتة أيضًا أن الإنسان قد يعيد إنتاج ما عاشه دون أن يشعر.

فقد يختار علاقات تشبه بيئته الأولى، أو يكرر مع أبنائه الأساليب نفسها التي آلمته يومًا، ليس لأنه يريد ذلك، بل لأن ما اعتاده يبدو له طبيعيًا.

اقتباس: "لم يكونوا يرونني إلا في نوبات الهستيرية، لم يكن صوتي مسموعًا إلا في حالة الصراخ، ولم يكن وجودي مقدرًا إلا في نوبات التحطيم والانتحاب، حينها فقط كانوا ينصتون جميعًا.

لذا لا غرابة أن تصبح تلك هي لغة مشاعري، وتلك هي طرائق ترجمة انفعالاتي؛ فإن انفعالي الاعتيادي لا يتم إقراره أو المصادقة عليه أو تفهمَّه ما لم يحمل بُعدًا كارثيًّا ويشكل تهديدًا صارمًا وصادقًا لهم".

هنا ينجح الكاتب في تحويل مفاهيم نفسية معقدة إلى أمثلة يومية بسيطة، تجعل القارئ يعيد النظر في كثير من تصرفاته، دون أن يشعر بأنه يتلقى محاضرة نظرية بعيدة عن واقعه.

التعافي يبدأ بالفهم

ربما تكون أهم رسالة في كتاب "أبي الذي أكره"، أنه لا يتوقف عند تشخيص الجرح.

فالوعي ليس غاية في حد ذاته، ولكنه ضرورة لبدء طريق أطول، لا يقوم على إنكار الألم، ولا على تبرير الإساءة، لا يُحرِّم الحديث عن الأوجاع، إنما يبدأ بتفكيك المشاعر وفهمها واحتوائها، حتى لا تبقى مسيطرة على أفعالنا وعلاقاتنا بالعالم.

اقتباس: "بعض البوح (الحكيم) قد يريح، ويحرر، ويفك القيد ‫ ـ قد ينصحنا أحدهم بالمواراة باسم الستر، وقد نجد الدواعي حولنا كلها تصرخ صائحة أن نكتم ونبتلع وجيعتنا ‫ ولكن ليس ذلك بصوت الحق، فلسنا مذنبون".

 

وهنا يتحول الكتاب من مجرد حديث عن الماضي، إلى محاولة لاستعادة الحاضر.

الدور الحقيقي للآباء في حياتنا كبالغين

قد يرى بعض القراء أن "أبي الذي أكره" يمنح الأب دورًا أكبر من اللازم في تشكيل شخصية الإنسان، وكأن معظم أزماتنا تعود إلى الطفولة وحدها. كما قد يشعر آخرون أن بعض النماذج المطروحة قاسية إلى درجة لا تمثل التجربة الأسرية المعتادة، أو أن لغة الكاتب تميل أحيانًا إلى المشاعر أكثر من التحليل العلمي. وقد ظهر هذا الانطباع بالفعل في عدد من مراجعات القراء.

لكن كلها ملاحظات لا تنتقص من قيمة الكتاب، ودورة في الربت على جروح الماضي وتنظيفها ومعالجتها.

الكتاب لا يتهم كل الآباء بالإيذاء، ولا يزعم أن الطفولة تفسر كل أفعالنا ومشاعرنا، هو فقط يسعى لتسليط الضوء على جانب كثيرًا ما نتجاهله أو نغلفه بالشعارات. كما أن قوته لا تكمن في تقديم نظريات جديدة، بل في قدرته على ترجمة مفاهيم علم النفس إلى لغة قريبة من الناس، تمنحهم مساحة لفهم أنفسهم دون أحكام قاسية.

لماذا يجب أن تقرأ "أبي الذي أكره"؟

ما يميز هذا الكتاب أنه لا يمنح قائمة من النصائح، ولا يعد بحياة مثالية فور الانتهاء من آخر صفحة.

هذا الكتاب ببساطة يضعك أمام مرآة حياتك. فربما ترى فيها طفولتك، أو والدك، أو نفسك، أو حتى الطريقة التي تعامل بها أبناءك اليوم.

ولهذا خرج كثير من القراء من الكتاب بشعور واحد: أنهم لم يجدوا فيه إجابات جاهزة، لكنهم وجدوا أسئلة كان لا بد من طرحها منذ زمن.

اقتباس: "لا تنس في غمرة منحك للمحبة وتلقيها، أن تمنح بعضًا منها.. لنفسك!

‫ فأجمل ما بالمحبة أنك يومًا ما ستدرك وتؤمن.. أنك أيضًا ورغم كل شيء.. تستحق!".

في النهاية.. لا تكمن أهمية هذا الكتاب في عنوانه المثير، لكن ثمرته الحقيقية في شجاعته على الاقتراب من المحظور، ومن منطقة يفضل كثيرون الصمت عنها. إنه لا يطلب منك أن تكره أحدًا، إنه دعوة للمحبة التي تبنى على الفهم، بدءًا من فهم نفسك بصورة أعمق. وربما يكون هذا الفهم، في النهاية، هو أول الطريق إلى السلام مع الماضي، لا إلى الانتقام منه.

وأخيرًا..

اقتباس:

سلام لكل من تعافى.

سلام لكل روح جريحة تشافت.

ولكل منتهكة.. تجاوزت.

ولكل مسلوب.. استرد.

ولكل متكتم.. قد باح!".

© 2026 Al Jalees Culture Club. All Rights Reserved.
Written by Humans | Powered by Ghost