العشاء الأخير
أن إعداد وجبة يشبه نوعاً ما أن ترسم لوحة أو أن تكتب نص فهو يتطلب مقدار من التأمل والتركيب، وهو فعل اختلاقي يحمل معه الخوف والترقب الذي يأتي مع الكتابة، و يجسد الكاتب محمد عبد النبي في كتاب الحكاية وما فيها ذلك:
"إذا كنتَ مهتمًّا بالكتابة، فمن المتوقَّع أن تكون مهتمًّابالطبخ أيضًا، ولو على سبيل الفضول، دون ممارسة فعلية لهذا الفن الخاص. ولعلك سمعتَ أو قرأتَ أكثر من كاتب يشبّهون الكتابة بالطبخ، ولا بدَّ أن في هذا التشبيه بعض الحقيقة، حتى يتكرَّر ويتردَّد.إن إنتاج طعام طيِّب وشهي ومفيد لا يبتعد كثيرًا عن إنتاج عملٍ فني طيِّب وشهي ومفيد، بالاعتماد على بعض مقادير طبيعية أو صناعية، على أدوات بدائية أو متطوّرة، وبالثقة في الوصفات المجرَّبة أو في ضربات الحظ والمصادفات والتجريب من نقطة غير مسبوقة بالمرَّة، كلُّ مَن وقف في المطبخ لإعداد طعامٍ ما يدرك أنه لا يستطيع — مهما حاولَ — أن يصل إلى الطعم نفسه مرتين، ففي كل مرة تهرب النكهة وتتجدَّد، مهما حرص على تكرار الوصفة ذاتها بحذافيرها. هكذا أيضًا يعرف كلُّ مَن جلس أمام الصفحات البيضاء للكتابة "
إن الفعل البسيط المتمثل في إعداد وجبة أو طهي وصفة يتجاوز هدفه مجرد تحقيق الشبع المادي، ليصل إلى تلبية حاجات شعورية مثل الحب والأمان والاحتواء.
ففعل الطهي يحمل في جوهره نوعًا من المبادرة المعنوية من الطاهي، وعلى المبادلة العاطفية عندما يتلقى الطاهي أيضًا مشاعر الامتنان والتقدير.
وهي الطريقة الأصيلة التي تعرفها جداتنا وأمهاتنا الذين مازالوا يعبرون قلوبنا بها، مما يجعلها أبسط وأصدق طريقة للتعبير.
حين تعجز عن فهم من تحب، أو عن تخفيف حيرته وألمه، أو حتى عن الاعتراف بمشاعرك المكبوتة تجاهه، ربما من خير الأمور أن تعد له وجبة، إنه استسلام جماعي بسيط أمام تعقيد الشعور.
وعندما تطهو فأنت تخلق شيئًا يشبهك ثم تقدمه على المائدة لمن تحب. ويميز هذه العملية البسيطة والروتينية أنها تبدأ وتنتهي بشكل متكرر، ولهذا يختلف الطبخ عن معظم الأعمال الإنسانية، اللوحة يمكن تعليقها، والكتاب له كيان خارجي ملموس وقابل للحفظ، أما الطبق لا يمكن الاحتفاظ به.
في رواية كالماء للشوكولاتة للكاتبة المكسيكية لورا إسكيفيل تتجلى علاقة خاصة بين الطبخ والسرد، حيث تُبنى الفصول على شكل وصفات تبدأ بالمكونات ثم تتبعها طريقة التحضير، فيتحول الطهي إلى وسيلة سردية، فيبدأ أحد فصول الرواية بعنوان وصفة بـ "طيور السمان مع بتلات ورد"، و تُقدم المكونات في بداية الفصل:
"وردة، وتفضل الحمراء –حبة كستناء –ملعقة زبد –ملعقة نشاء ذرة
–قطرة من خلاصة الورد –ملعقة يانسون –ملعقة عسل –فص ثوم –طيور سمان –حبة صبار"
ثم تنتقل الرواية في سرد الفصول بالبدء في طريقة التحضير ممتزجة مع أحداث الرواية:
"تُنتزع بتلات الورد بحذر شديد مع مراعاة عدم وخز الأصابع،
لأن الوخز، فضلاً عن كونه مؤلماً جداً، يمكن له أن يضمخ بتلات الورد بالدم، وإضافة
إلى أن ذلك سيُحدث تبدلاً في مذاقها، فإنه قد يتسبب في تفاعلات كيميائية خطيرة
أيضاً لم يكن بإمكان «تيتا» أن تتذكر هذا التفصيل الصغير بسبب شدة انفعالها لدى
تلقيها باقة ورد من يدي «بيدرو». إنه أول انفعال عميق تشعر به منذ يوم زفاف أختها،
حين سمعت التصريح بالحب الذي يشعر به «بيدرو» نحوها ويحاول إخفاءه عن أعين
الآخرين."
و يمكن للطهي أن يضع أطار للتاريخ، حيث يمكن قراءة تطور المجتمع، و بنيته الطبقية، وثقافته،وعلاقته بالسلطة والدين.
ولعل ذلك ما يظهر بوضوح في لوحة العشاء الأخير لدافنشي، حيث تجسد اللوحة أكثر المشاهد تأثيرًا في التاريخ المسيحي، والمتمثل في تجمع المسيح بتلاميذه قبل القبض على المسيح وفقاً للرواية المسيحية.
حيث تحولت المائدة إلى مركز الحدث الذي تكشفت فيه مشاعر الحب، والولاء، والخيانة، والصدمة.
كان جميع تلاميذ المسيح مجتمعين حول مائدة واحدة، يتشاركون الطعام عندما يعلن المسيح أن أحد التلامذة الجالسين على المائدة سيخونه ويسلمه للأعداء، و مشاركة الطعام على المائدة تعني وجود رابطة حميمة بين من يجلس حول المائدة، لذا فإن الإعلان في هذه اللحظة يجعل الخيانة أكثر تأثيرًا.
وقد اهتم ليوناردو دافنشي برسم تفاصيل المائدة كالخبز و الأطباق والكؤوس ليجعل المشهد حي.
ولعل من المفارقات أن لوحة العشاء الأخير رُسمت على جدار قاعة الطعام الريفكتوري في دير سانتا ماريا ديللي غراتسي في ميلانو، حيث كان الرهبان يتناولون وجباتهم اليومية أمامها.
وهكذا، حين تعد وجبتك القادمة أو تتناولها، تذكر أن هذا الطقس اليومي البسيط يحمل في داخله جزءًا منك، وتاريخًا من المعنى.