الجري ما بين التأمُّل، التركيز و التوازُن
يحلل فريق الجليس بعض من أفكار كتاب هاروكي موراكامي "ما أتحدث عنه حين أتحدث عن الجري" و نسألكم.. ما الذي يعنيه الجري للتأمل إذًا؟
منذ أن بدأت بالجري وأنا أشعر أن قدمي أكثر ثباتاً على الحياة. حذاء رياضي جيد، طريق تميل إليه، شيء يشغل حاسة السمع لديك ليرافق إيقاعك، جسدٌ يطاوعك والكثير من الصبر، أعتقد أن هذا مجمل ما تحتاجه للجري.
يسرد الروائي هاروكي موراكامي في كتاب "ما أتحدث عنه حين أتحدث عن الجري" ما أسماه مذكراته الشخصية في الجري، خالقاً منها نافذة لعالمه في الكتابة.
ينقسم الكتاب إلى مجموعة من التجارب التي مر فيها الكاتب من خلال تجربة الجري وبعض القصص السابقة واللاحقة وتلك التي تخللت الجري.
جعلني موراكامي أصل إلى اعتقاد مفاده أن الجري يجب أن يكون ملازمًا للكتابة، تمامًا كما يعتقد البعض أن القهوة أو التدخين أو آلة الكتابة جزء من حرفة الكتابة. يبدو الجري من منظور موراكامي كعدسة تأخذك إلى نظرة أكبر لحياته وتجربته ككاتب وعداء.
يترك لديك الكتاب ما أن تنتهي مجموعة من التأملات، كما أحذرك بأنه سيعتريك حكة خفيفة بالرغبة في أخذ حذائك والذهاب للجري !
ما الذي يعنيه الجري للتأمل إذًا؟
التأمل من وجهة نظري يتمحور حول محاولة الوصول عميقاً لذلك الجزء الذي يجعل إيقاعك منسجم مع العالم، وهنا يأتي دور الجري كونه يمرنك على هذا الإيقاع وبحسب تعبير موراكامي " يخلق لك الفراغ اللازم"، يفرغك لتنظر إلى نفسك بصفاء.
في بداية الجري يتحامل عليك جسدك، يبدو ثقيلاً وهو يطرق على الأرض، ثم تجد إيقاعك في الحركة والتنفس وتنطلق بثبات، وهذه العملية تعرفك على جسدك، ومع قليل من المران ستجد أنك تصل إلى ما اعتقدت أنه تجاوز قدراتك.
يخرجني الجري من حالتي النفسية والذهنية التي أركض بها وأعود معها أقوى، ومن هذه التجربة أصبح أكثر تواصلاً مع الداخل.
يعلمني الجري أن أخزن طاقتي وأعيد توزيعها، ثم أجد أنني أنقل هذه الآلية في حياتي بشكل تلقائي، كيف أتعامل مع مشاعري و أدعها تمر بإيقاع معين يناسب توازني. إذا اندفعت بسرعة كبيرة منذ البداية سأفقد طاقتي سريعاً، و سأتوقف أو أجبر على تقليل سرعتي، لذلك يعلمني الجري كيف أحول طاقتي من مفهوم إلى أداة.
يخبرنا موراكامي أنه في بداياته مع الجري لم يكن يركز على زيادة السرعة، بل على زيادة المسافة والتحمل وإن نهاية السباق ليست إلا علامة مؤقتة بلا أهمية كبرى، والأمر نفسه في حياتنا، إذ لا تعني النهاية أن للوجود معنى. تحدّد نقطة النهاية بوصفها علامة مؤقتة، أو ربما مجازًا غير مباشر لطبيعة الوجود الزائلة.
وأكثر ما استوقفني في الكتاب الحالة الذهنية التي وصل لها موراكامي نتيجة سباق
(يونيو 1996، بحيرة ساروما، هوكايدو)
بعد أن أنهى سباق الاثنين وستين ميلًا في يوم واحد، وبحسب تعبيره فما من شخص طبيعي سيقدم على فعل أمر طائش كهذا ، موضحاً بأنه لن يكرر هذا الأمر، ثم يشرح الشعور الذي تولد لديه بعد أن أنهى هذا السباق فيقول:
"وماذا عن هذا الشيء الجديد داخلي؟ لا يمكنني العثور على الكلمات المناسبة لوصفه، لكنه قد يكون شيئًا قريبًا من الاستسلام، وإن أردتُ المبالغة قليلًا، لقلت كأنني بإنهاء سباق الاثنين والستين ميلًا قد دخلت مكانًا مختلفًا. دخل ذهني في حالة خواء ، فقد حرضني شيء ما على أن أصبح أكثر تعمقًا، وغيّر هذا الاستبطان الجديد موقفي من فعل الجري"
يجد موراكامي أن الجري هو نظام مناعة ذاتي يمكننا من مقاومة السم الفتاك الذي يكمن في دواخلنا لنكون على أهبة الاستعداد لمواجهة سم أقوى، حيث يحتاج المرء أن يكون بصحة جيدة للتعامل مع أمر مؤذٍ، و تحتاج الروح المضطربة إلى جسد سليم.
و أعتقد أن الإنسان يحتاج إلى قدر من السلام الداخلي ليتمكن من الجري طويلًا ووحيدًا، و يتقبل أيضًا فكرة أنه في بعض الأيام، ببساطة، لا يستطيع أن يجري، و بأن هذه القدرة التي يمنحك إياها الجري تجعلك تشعر أن بإمكانك تحقيق أي شيء.
أحيانًا أبكي أثناء الجري، من الفرح أو الحزن، لكنني دائمًا أخرج منه أكثر هدوءًا، تأكد فقط وأنت تجري أن تهرب من الواقع واترك خيالك يجمح، وتذكر أن الواقع دوماً يبدأ من مخيلتك ولا بأس لو انطلقت مخيلتك من قدميك.
بقلم: جنان بيرمي، تحرير : رنا حجار

