صديقتي شجرة الليمون
تذكرني والدتي على الدوام أن صديقتي الأولى كانت شجرة الليمون المزروعة في حديقة أول منزل لنا، وكنت أنا -بحسب ما تسرده لي والدتي- أتبادل مع شجرة الليمون أطراف الحديث والهدهدة، لا تعرف والدتي أني ما زلت أصادق الأشجار وأطلق عليها المسميات، وكما يقال: بعض الصداقات تصمد أمام الزمن!
تتمحور الصداقة في أن تنظر لنفسك من خلال الصديق، و كلما تغيرت أنت ستجد أن هذا الصديق ما زال يحتفظ بكل نسخك القديمة كأرشيف تحتفظ فيه بتسجيلاتك صوت وصورة؛ في ذاكرة إنسان مختلفة وحيادية، وهذه الذاكرة تبقيك معلقاً بهذا الصديق الذي يحتضن جزء هائل وأحياناً أجزاء محرجة منك.
صديقك سيذكرك دائماً من أنت ومن تكون، ومن هذا المنطلق لن تمر مشاعرك الغير عدالة عن نفسك مرور الكرام، فكلما شعرت بعجزك يمكن للذاكرة الاحتياطية لصديقك أن تذكرك بمئات العثرات التي مررت بها سابقاً واجتزتها، كما و قد يختلق بعضها لأصدقك القول، لكنه لن يتركك تجلد ذاتك هناك، كما أن نفسك لن يُسمح لها أن تتضخم أكثر من اللازم دون قياس واقعي حيث سيقف لك بالمرصاد والوعيد.
لطالما شكل لي مفهوم الصداقة التعرف على نفسي من خلال الآخرين، عرفت الإنسان الذي أنا عليه من الخارج والداخل من خلال نظرة ومشاعر أصدقائي، أشخاص غريبة عن حياتي المألوفة نسجتهم على سجادة أيامي ليصبحوا الأقرب في حياتي اليومية.
أخرجت الصداقة مني صفات لم أعلم أنها موجودة، ومن خلال محاولتي لتأطير الارتباط مع الآخر اكتشفت في نفسي أدوات عديدة للتعامل والمعايشة مع الآخر، و تعرفت على حدودي، شجاعتي وكذلك أطباعي، والأهم نضجت من خلال هذه التجارب.
لا أعتقد أني كنت ذات النسخة مع كل أصدقائي فكل صديق نجح بشكل أو بآخر بإظهار جانب مختلف مني.
كما أن فقدان الأصدقاء كان بمثابة فقد لجزء من نفسي أعقبتها عملية معقدة من إعادة الترميم أو ترك مساحات شاسعة من الحنين الذي يشكل أحياناً حالة دائمة من التوق. يصعب علي مع مرور الوقت العودة لمصدر هذا الشعور، فيبقى كوخز مصاحب لحالة دائمة من الفراغ و لوجود خلل بالغ في الشعور.
الصداقات يصعب المحافظة على امتدادها وعلى الألفة فيها عبر النسخ التي نتحول إليها من ذواتنا، أن تغيرنا المستمر يجعلنا نتخذ موقع مغاير في روايات الآخرين وهذا التغيير الذي يلحق بنا كنتيجة حتمية ويلحق بالآخرين كذلك يغير نسيج العلاقات المحيط بحياتنا.
كما أن مفهوم الصداقة يتغير مع التقدم في العمر، لم تعد قيمة العلاقة تُقاس بعدد الساعات التي نقضيها معًا، ولا بطول المكالمات وكثرة الأحاديث، بل أصبحت تُقاس بنوعية الوقت وجودته. فساعة واحدة أسبوعية صادقة ومريحة تكفي للحفاظ على بيت الصداقة الدافئ.
لهذا أجدني أفلت من يدي العلاقات التي لا أجد فيها انسجامًا حقيقيًا، أو تلك التي تتطلب جهدًا يفوق ما تمنحه من راحة ومعنى.
وفي المقابل، هناك علاقات قد أنقطع عنها لفترات طويلة حتى أكاد أنساها في جوف الثقب الأسود الذي يبتلع أوقاتنا، لكنها تعود كما كانت بمجرد لقاء أو حديث عابر، لذلك أحاول دوماً جدولة علاقاتي حرصًا على ألا يخرج أي صديق من دائرة الاطمئنان. كسبت صداقات عميقة، وإن لم تكن طويلة مع شخوص يعيشون في أماكن متفرقة من العالم، نلتقي مرة أو مرتين في السنة، لكنني لا أشعر أن مكانتهم أقل من أصدقائي القريبين جغرافيًا.
أتمنى ألا يقرأ أصدقائي هذا المقال..
لكني أعتقد أن الإنسان يجب أن يكون صديق نفسه الأقرب وربما أقول ذلك لأبرر رغبتي وحاجتي للعزلة.
أحد صديقاتي السابقات أخبرتني أنني استبدلتها بمكتبتي، وهذا نوع ما حقيقي، على الرغم من إثارة هذا القول حفيظتي حينها.
ومع إيماني التام بأن وجود صديق حقيقي في حياتي هو نعمة بالغة في عظمتها، إلا أني لا أشعر أن العيش دون أصدقاء يؤثر على حياتي اليومية، بل تكمن المعضلة حين لا يكون لدى الإنسان شخص واحد يكون شاهد على حياته ليقول:
"صديقي مر مع هذه الحياة ".