الوظيفة أم أجر المتشرد؟
كنت أتناقش مؤخرًا مع أحد الزملاء، وأدركت أنني لا أذكر مرة رأيته فيها دون أن يكون هاتفه بين يديه. يتنقل بين وظائفه ومهامه باستمرار، ولا أكاد استحضر نقاش لنا وهو ينظر إلى عيني مباشرة دون أن يشاركني الهاتف أو شاشة الحاسوب جزءًا من انتباهه. يعد هذا المشهد متكرر، يبدو أن الهاتف أصبح عضواً إضافياً في تشكيل حواس الأنسان، حتى لا نكاد نحصل على خمس دقائق من حياة كائن بشري لا يبحث فيها عن هاتفه أو جهازه المحمول.
هل يعد الفراغ كسلاً؟
أرى أن طقس الملل ضروري لإعادة اختراع الأفكار وما يحيطها، لكن يبدو أن النظرة السلبية للفراغ جعلتنا نعيش في هوس دائم بالانشغال والعمل، وكأن كل لحظة لا ننتج فيها شيئًا هي لحظة مهدورة.
كما أجد أن الفراغ يختلف عن الكسل الذي يعني من وجهة نظري تجاهل ما يحتاجه جسدك أو عقلك أو طموحك. أن تعرف أنك بحاجة إلى القيام بخطوة معينة كي تحقق ما تريد ثم تؤجلها باستمرار، أو أن تدرك أنك تحتاج إلى اكتشاف ما تحب ثم تتهرب من البحث عنه.
أجر المتشرد
يحلل برتراند راسل في كتاب "سبل مقترحة إلى الحرية" فكرة أن ضروريات الحياة يجب أن تكون مجانية، للجميع على قدم المساواة، بغض النظر عما إذا كانوا يعملون أم لا. بموجب هذه الخطة، يمكن لكل شخص أن يعيش بدون عمل حيث يوجد ما يسمى «أجر المتشرد»:
«يمكن للفنان الذي يفضل قضاء وقته كله في الفن والمتعة أن يعيش على أجر المتشرد وهو يسافر ليرى بلادًا أجنبية، مستمتعًا بالهواء والشمس، وحرًّا كالطيور، وعلى الأرجح ليس أقل سعادة. سيجلب هؤلاء البهجة والتنوع إلى حياة المجتمع، وستكون نظرتهم مختلفة عن نظرة العمال ، وسيحافظون على عنصر السعادة الذي تشتد الحاجة إليه والذي تميل حضارتنا الجامدة والجادّة إلى قتله»
لو كان هذا الخيار متاح لك هل كنت ستختاره؟ أعتقد أننا لا ننظر للمنفعة المادية للوظائف فقط بل إلى التفوق الاجتماعي المرتبط بالمكانة والذي تمنحه لنا الوظيفة، وهنا يكمن سبب التصنيف الوظيفي النوعي، فترتفع قيمة الطبيب والمهندس والمحامي اجتماعيًا، بينما تنخفض قيمة وظائف أخرى مهما كانت ضرورية في المجتمع.
كما ألاحظ أن الوظيفة كلما كانت أصعب وأطول وأقل متعة أصبحت أكثر تقديراً. في المقابل، كلما كانت الوظيفة فنية أو إبداعية تقل قيمتها، بغض النظر عن أثرها وأهميتها الفعلية.
ويطرح راسل فكرة مفادها أن الوظائف التي تتطلب جهدًا يدويًا أكبر، أو تلك التي لا يرغب معظم الناس في شغلها، ينبغي أن تحظى بأجور أعلى. غير أنني أرى أن ذلك لن يغير بالضرورة مكانة هذه المهن في الوعي الجمعي، فلو أن عمال المصانع يتقاضون أجورًا تفوق أجور أصحاب المهن المرموقة من وجهة نظر المجتمع، فمن المستبعد أن تتبدل النظرة الاجتماعية إليهم ، وهذا ما يوحي بأن التقدير للمهن لا يستند إلى مستوى الأجر وحده، بل إلى طبيعة العمل ذاتها.
الامتداد الشخصي للوظيفة
أحيانًا لا أجد في خزانة ملابسي سوا الرسمي منها، وعندما أفكر في اقتناء بعض المستلزمات المنزلية، أتراجع بحجة أنني لن استهلك هذه الحاجيات نظراً لقضاء معظم وقتي في المكتب.
الوظيفة ترسم الإطار العام لحياتي وتمتد على حياتي الشخصية بما يشمل العلاقات، فأغلب صداقاتي جاءت من بيئات العمل المختلفة التي مررت بها.
أن أكثر ما يرعبني أن يصبح المحيط القصصي لحياتي محصورًا في مساحة واحدة، لأن الإنسان يحتاج إلى قصص متعددة يعيشها، لا إلى قصة واحدة تتكرر بأسماء وأماكن مختلفة.
أن ضيق المحيط القصصي يجعلني أخلط بين المشاعر المهنية والمشاعر الشخصية، فأبدأ بالشعور بالذنب إذا غادرت العمل بعد انتهاء ساعات العمل مباشرة، أو بالمسؤولية المفرطة تجاه المؤسسة. لكن العمل ليس عائلتي في نهاية المطاف وهناك حياة تنتظري خارج ساعات العمل.
ولعل هذا ما يفسر الانتشار الواسع لما يُعرف في اليابان بـ دراما الشركات (Corporate Drama) وكذلك ما يُعرف في كوريا الجنوبية بـ دراما المكاتب (Office Dramas). حيث تدور أحداث هذا النوع من المسلسلات داخل الشركات والمؤسسات وأماكن العمل بما يعكس الواقع الاجتماعي الذي أصبح فيه العمل المركز الرئيسي للحياة اليومية.
لم تعد بيئة العمل مجرد مكان لكسب الرزق، بل تحولت إلى فضاء اجتماعي كامل تتشكل فيه الصداقات، وتبدأ العلاقات العاطفية، و تُخاض الصراعات، وتُبنى الطموحات، حيث انتقلت التجربة الإنسانية إلى بيئة العمل.
الحياة ليست مثالية، ولا نستطيع دائمًا التحكم في ساعات العمل الطويلة أو الضغوط المهنية أو الظروف الاقتصادية التي تفرض علينا إيقاعًا معينًا. لكن ما نستطيع فعله هو أن نتوقف عن تمجيد هذا النمط بوصفه النموذج الوحيد للحياة الجيدة، وأن نتوقف عن النظر بفوقية إلى الأشخاص الذين لا يجعلون العمل مركز عالمهم. فليست قيمة الإنسان فيما ينتجه فقط، ولا في عدد الساعات التي يقضيها في المكتب، ولا في مقدار ما يضحي به من حياته الشخصية.
وأن كنت تملك زميل يلح عليك بالمغادرة بعد انتهاء ساعات العمل، تمسك به.
توصيات للقراءة

