Welcome to Al Jalees Times – your gateway to books & culture.

الثقافة بصياغة بثينة العيسى

الثقافة بصياغة بثينة العيسى

لطالما تجنبت أن أبحث في شخصية الكاتب أو أن  أتابع حضوره خارج النص، فأنا أعتقد أن القراءة تكون أكثر حيادًا حين يُترك الكتاب أو العمل الأدبي ليتحدث عن نفسه، إلا أن بثينة العيسى تشكل استثناءً نادرًا، كينونتها بالنسبة لي لا تقل إثارة عن كتاباتها، وكأنها رواية أخرى موازية لمشاريعها الأدبية. لم أجد في عالمنا العربي من يطرح أفكاره بهذه القدرة على المزج بين عمق الفكرة وجمال اللغة وسلاسة التركيب، حتى يبدو حديثها وكأنه عمل أدبي بحد ذاته. لذلك أجدني لا أبحث  عن إجابة محددة في حديثها، بل أتأمل طرحها للأفكار وقدرتها الساحرة على نقلي إلى مساحات جديدة للتفكير. وفي إحدى حلقات بودكاست «بدون ورق» تتحدث بثينة عن علاقة المناخ الثقافي بالإنسان، وهو حديث يجدر بنا التوقف عنده قليلاً في هذا المقال.

  • الثقافة و الأزمات المجتمعية: 

تطرح الكاتبة بثينة العيسى مفهوم مختلف للثقافة والمثقف، معرفة الثقافة بأنها: 

«النطاق الذي يحيط بنا والأفكار العامة التي نفكر من خلالها، وهذا النطاق يتسع ليشمل جميع ممارساتنا ككائنات ثقافية من أبسط الأمور إلى أكثرها عمقاً ويشمل ذلك؛ المعمار، والآداب، والموسيقى، والطعام»

تجد بثينة أن الثقافة هي الجذر لجميع الأزمات التي تحتك بالمجتمع، حيث إن الجذر الثقافي يمتد إلى خلق المشكلة وهو في ذات الوقت حل المشكلة، فهي تساهم في صناعة المشكلات من خلال ما يسود فيها من قيم وأنماط تفكير جماعية تشكّل وعي الأفراد وطريقة تعاملهم مع الواقع، وفي الوقت نفسه تبقى الثقافة الإطار الذي تُفهم من خلاله هذه الأزمات ويُبحث من خلاله عن سبل تجاوزها، لأنها تحمل داخلها إمكانات للتغيير وإعادة تشكيل الوعي والسلوك.

 وبهذا المعنى تبدو الثقافة كعنصر مزدوج، فهي تُنتج الأزمة وتمنح في الوقت نفسه إمكانية الخروج منها، بما يعكس طبيعتها المتغيرة وقدرتها على إعادة توجيه المجتمع بحسب وعيه بذاته.

  • ماهية العمل الثقافي: 

تشرح بثينة العيسى أن الثقافة هي حالة ساكنة عليها توافق مجتمعي قديم، أما العمل الثقافي فهو الاشتغال على هذه الثقافة ، وأجد أن هذا التعريف للعمل الثقافي يخرجه من الإطار التقليدي الذي تشكل في أذهاننا في إطار نخبوي ، فهي القدرة على التغيير والتأثير، وعلى أن يترك كتاب أو مكتبة أو أي منتج ثقافي آخر أثرًا فراشيًا في وعينا وحياتنا.  

وهو عمل مشاغب يحاول أن يوقظ الثقافة السائدة و يسائلها ويضع البديهيات والمسلمات في موضع التفكيك، كما وترفض بثينة مصطلح المثقف وتستبدله بـ المشتغل على الثقافة أو مهندس الثقافة الذي ينتقل من زاوية إلى زاوية ويوجد حل لمشكلة راهنة، سواء فلاح أخترع طريقة يفلح فيها الأرض أسرع أو عالم يحل مشكلة ندرة المياه.

وأجد أن جزء من الثقافة يكون مفروض على الإنسان بحكم وجوده في بقعة جغرافية معينة وفرض بعض الخطوط المجتمعية حوله، والمناخ الثقافي يتغير بحكم المدخلات المستمرة والمتكررة التي تحكم المجتمعات والأفراد وتلغى منه أجزاء فتنسى أو تصبح تراث وتعود مرة أخرى لتتشكل، فهو غير ثابت إلا أن تغيره بطيء، والتغيير عن طريق الاشتغال المباشر في المناخ الثقافي يكون من عمل "مهندس الثقافة" الذي يغير هذا المناخ من خلال المنتج الثقافي.

و أعتقد أن الفرد الذي يقفز إلى ثقافات أخرى يفشل بطبيعة الحال في الانتماء لها، ويأتي ذلك نتيجة طبيعية لابتعاده عن المكونات الثقافية التي ساهمت في تكوينه أو عن قضاياه الأصلية كفرد أو كجزء من المجتمع، فهو في محاولة دائمة للتحاور مع مناخ ثقافي غريب عنه،  وحل مشكلاته أو ممارسة حياته بأدوات ثقافية مغتربة ومختلفة عن أدواته الثقافية، فيكون مجرد غلاف لهذه الثقافة، لذلك أعتقد أن الاشتغال الثقافي يبدأ بتقبل الواقع وجذورنا وما يحيط بنا ثم محاولة التغيير من هنا. 

ويظهر هذا المعنى بوضوح في بعض ملامح الجيل الحالي الذي طغى عليه التيار الثقافي العالمي في تفاصيل حياته اليومية، حتى أثرت على مفرداته اليومية وطريقة تعبيره، يتحدث ويفكر ويتفاعل بلغات متعددة لكنه أحيانًا دون جذور لغوية وثقافية واضحة تجمع هذا التعدد داخل هوية متماسكة. في هذه الحالة، لا يكون الانتماء منقطعًا بالكامل عن الثقافة الأصلية ولا مكتملًا في الثقافة الأخرى، بل حالة بينية يعيش فيها الفرد نوعًا من التردد الداخلي والارتباك في تعريف ذاته. 

و من الطبيعي أن تكون الثقافة السائدة متأخرة عن حركة الأفكار الفردية المتغيرة، إلا أن الثقافة تكون قاصرة حينما يشعر الفرد أنه وحيد في مواجهة عناصر المجتمع الثقافية ولا يجد ما يلائمه فيها، وأعتقد أن أسوأ أنواع الاغتراب هو أن يغترب الفرد عن ثقافته أو العكس، فيحمل الأفراد الثقافة المجتمعية كجزء من المسلمات الأيديولوجية. 

  • الكتاب كمنتج ثقافي

الكتاب من وجهة نظر بثينة العيسى من أهم منتجات الثقافة، معبرة:

 «اللغة هو النظام المركزي الذي يضيء كل غرف الثقافة، بدون اللغة لا نستطيع أن نتذوق الفن أو نقرأ الفلسفة أو نتواصل بشكل أفضل أو أعبر عن  مشاعري، ولا أستطيع أن أفهم المجردات أو أن أذهب إلى عمليات عقلية فيها شيء من التعقيد»

و في النهاية «نحن لا نتحرك في فقاعة من العدم» كما تعبر بثينة ، بل نحن ننتمي لمناخ ثقافي متداخل يصنع وعينا واللاوعي لدينا ويعاد تشكيله باستمرار.تجد بثينة العيسى أن الواقع  البشري جاف  يحتاج للثقافة التي تنكش رأس الفرد وتستفز أفكاره، ومن هذا المعنى، استحضر مشهدًا من عمل درامي يُسأل فيه أحد الشخصيات عن سبب رغبته في أن يصبح مخرج أفلام، فيجيب: 

«أريد أن أكتشف عالمًا آخر، وأشعر أنني أنتمي إلى ذلك العالم»

 أعتقد أن هذه الجملة تختصر الكثير مما نبحث عنه في الثقافة. المنتج الثقافي يتجاوز المنتج المعرفي، هو بحث مستمر عن ذواتنا في عالم نشعر فيه بالأنتماء، كما أن التقاطنا لمشاهد وعبارات كهذه في المنتوجات الثقافية هو ما تعنيه لي الثقافة.

بقلم: جنان بيرمي، تحرير: رنا حجار

 

بثينة العيسى | علاقة المناخ الثقافي بالإنسان | بودكاست بدون ورق

© 2026 Al Jalees Culture Club. All Rights Reserved.
Written by Humans | Powered by Ghost