نزهة الحياة
تخيل أنك تخرج للتنزه كل يوم، تجلس على كرسي في حديقة خلابة، يركض حولك مجموعة من الغرباء في دوائر لا نهائية، تحاول جاهداً أن تحصي عدد هؤلاء الغرباء الملتفين حولك، وتحكمك قاعدة واحدة وهي أن لا تكرر تعداد ذات الشخص أكثر من مرة، حتماً ستصاب بالدوار وستنسى بالطبع وسط كل هذا أنك في نزهة.
هذه هي الصورة المجازية للحياة السريعة، تؤدي مهام متكررة ومتعددة بشكل متواصل، و تنسى أن الهدف من النزهة هو أن تستمتع بالحياة وأن تكون مع الخالق وخلق الخالق، لذلك أن وجدت نفسك يا صديقي محشوراً في هذه الصورة غير كرسيك أو غير مكان النزهة.
في اليوم الأخير الذي يسبق إجازة عيد الأضحى أعددت لائحة المهام الخاصة بالإجازات، يتمحور هدف هذه القائمة في التأكد من أنني أفرغ عقلي في القائمة قبل الإجازة، مما يساعدني على العودة للعمل بشكل سلس.
وعلى خلاف العادة، كانت هناك مهمة عالقة أجلتها حتى اليوم الأخير من الإجازة ولم أنجزها، وانتهى بي الأمر بأن ألحقتها بالقائمة، ومنذ أن بدأت الإجازة وهذه المهمة تلاحق عقلي وتضخم شعوري بالذنب والقلق، و بين اللحظة والأخرى تطفو هذه المهمة في ذهني، مما جعلني أصنف هذه الحالة ب "كدر المهمة الأخيرة"،
فجأة!انتشلني الوعي بقراري الذي أخذته قبل أكثر من عام بأن أعيش حياة أبطئ، فدعوني أذن أستذكر معكم بعض هذه المحاولات:
تساعدني الحديقة الخلفية لمكتبي، المطلة من النافذة أن أستريح في منتصف العمل. ومهما كنت غارقة في المهام، أغير مقعدي وأجلس بعيدًا عن زاوية عملي، أتأملها ببساطة دون هدف،
أحيانًا استشعر الحمد، وأحيانًا أخرى أكتفي بالتأمل، وإن لم تكن هناك حديقة في بيتك أو مكتبك، أنصحك أن تتأمل السماء عند إشارات المرور، أو تنظر إلى أسراب الطيور وأنت تستمع إلى الجاز أو أي نوع آخر تفضله من الموسيقى متخيلاً أنك تعيش مشهدًا من فيلم، ستفاجئ بالحالة التأملية والهدوء الذي سيبعثه ذلك في نفسك.
كما توقفت عن وضع أهداف من قبيل "قراءة مائة كتاب في العام الواحد" وبدأت أحصي الكتب التي أستمتع فيها وتلك التي تثري عقلي ونفسي، أو أن أكتفي بصنع علاقة ذاتية مع الكتاب أو الكاتب، فأجدني مهووسة بكاتب معين أغوص في جميع ما كتب أو أن أعيد قراءة بعض الكتب لأكثر من مرة، جعلني ذلك أستعيد متعة القراءات الأولى.
باتت أشياء من قبيل أن تتمهل وأنت تأكل،
أن تقلل الوقت المستغرق على قائمة مشتريات طويلة من الكماليات التي لا أحتاجها،
أن تتوقف عن تقليب مشاعرك عبر مقاطع التواصل الاجتماعي ،
أن تلاحظ رائحة القهوة بدل أن تشربها على عجل،
وأن تتمهل في الصلاة وفي أداء العبادات،
كل هذه التفاصيل الصغيرة جعلتني أقرب إلى نفسي، كما قربتني لله وجعلتني أكثر فعالية في جسدي، عقلي، وفي روحي أيضًا.
صحيح أن الإنجازات تأتي عن طريق الفعل والحركة المستمرة، لكن البطئ يمنحك الابتعاد عن كثافة الأفكار.
أترك ذهنك يعتزل مع نفسه، وستجد أن الأفكار تخرج من تلقاء ذاتها، وأن العودة للحركة تكون أكثر جودة ووضوحًا وديناميكية.
لسنا مخلوقين لنكون ممتلئين بهذا الحد من المهام وهذا الحد من الصخب، نحن مصابون بسمنة الحياة.
البطء لا يُظهر لك جمال الحياة فقط، بل يعرفك أيضًا على الجانب الباهت منك، خوفك من التأخر، وحاجتك الدائمة لأن تُنجز كل شيء دفعة واحدة.
قد تتأجل بعض المهام، لكن جودة حياتك سترتفع، و ستتعلم أن تنجز الأشياء بشكل أفضل وستفهم أن قيمتك لا تُقاس بطول قائمة مهامك.
واقعياً لا تخلو الحياة من حالات من قبيل "كدر المهمة الأخيرة"، لكن لا يجب أن تكون هذه اللحظات هي الوتيرة الطبيعية لحياتنا، كما أن قائمة المهام يجب أن تسمح لك بأن تستمتع بنزهة حياتك .
بقلم: جنان بيرمي، تحرير: رنا حجار