Welcome to Al Jalees Times – your gateway to books & culture.

صناعة النموذج الحديث للمرأة

في سعيها للتحرر، وجدت المرأة نفسها محاصرة بقوالب جديدة معقدة، مطالبة بأن تكون الأم المثالية والعاملة الناجحة والمستقلة والمتزنة في آن واحد. هذا التعدد في الأدوار، الذي شاركت في صياغته النسوية والرأسمالية والأسرة، أوجد حالة مستمرة من القلق والتوتر في سياق اجتماعي وتاريخي ضاغط

صناعة النموذج الحديث للمرأة

لطالما ارتبطت مكانة المرأة بمستوى وظيفتها الإنتاجية مع اختلاف تطور البنيان الاجتماعي الذي وجدت نفسها ضمن حدوده؛ ففي الأسرة كانت منتجة للأبناء، وفي أطوار الحياة الأولى شاركت في الصيد والزراعة وتربية الأطفال. كما ساهمت المرأة، بوصفها موضوعًا وفاعلًا في آنٍ واحد، في بناء علم الاجتماع والفلسفة ومختلف العلوم. فالأفكار عن المرأة وتأطيرها داخل النظريات المختلفة كانت دائمًا تتوسع وتُعاد بلورتها مع تغير المجتمع البنيوي أو الأيديولوجي.

فمنذ المجتمعات الأولى، كثيرًا ما قِيست قيمة المرأة لا بوصفها كائنًا إنسانيًا قائمًا بذاته، بل وفق وظيفتها داخل منظومة البقاء. كما أن النظرة الدونية للمرأة حضرت بدرجات متفاوتة في معظم المجتمعات عبر التاريخ. وحتى المجتمعات التي تفتخر بوصول المرأة إلى رأس السلطة، كما في حالة كليوباترا أو بلقيس، لم تتعامل دائمًا مع المرأة باعتبارها إنسانًا كامل الاستقلال، بل كثيرًا ما جرى النظر إليها كحالة اجتماعية قابلة للتأطير والدراسة.

ومع تطور المجتمع، تعددت أدوار المرأة، وشمل هذا التعدد أدوارها داخل المنزل وخارجه، فأخذت النسوية جزءًا من هذا التشكيل، وأخذت الرأسمالية جزءًا آخر، كما احتفظت الأسرة بدورها في صياغة صورة المرأة الحديثة. ففي مطلع القرن العشرين، لم تكن المرأة تملك حق التصويت في كثير من الدول، وكان عملها خارج المنزل موضع استهجان، وخلال أقل من قرن شهد العالم تحولات جذرية في موقع المرأة وحقوقها.

لكن مع هذا التحول، وبدل أن تتحرر المرأة بالكامل من القوالب، وجدت نفسها أحيانًا أمام قوالب جديدة أكثر تعقيدًا؛ فهي مطالبة بأن تكون أمًا مثالية، وامرأة عاملة ناجحة، وجميلة ومستقلة ومتزنة في آن واحد. وتدرك كل امرأة تقرأ هذه السطور أن الأدوار التي تُلقى على عاتقها متداخلة إلى حد يصعب الإحاطة به.

إلا أن الإشكالية لا تكمن في نجاح المرأة أو في اتساع حضورها، بل في التصور الضمني الذي يجعل النجاح مرهونًا أحيانًا بالتشبه بالنموذج الذكوري أو تبني صفاته بوصفها المعيار الأعلى للفاعلية والقوة. وكأن المرأة لا تصبح مؤثرة إلا كلما ابتعدت عن أنوثتها واقتربت من نموذج آخر لا يشبهها بالكامل.

في المقابل، تواجه المرأة اليوم موجة جديدة من الأفكار التي تدعوها للعودة إلى أنوثتها بوصفها مساحة للاتزان والهدوء، لا باعتبارها نقيضًا للطموح أو الإنجاز. ومن هنا تنطلق عدة توجهات وتيارات، بعضها يحاول إعادة تعريف الأنوثة، وبعضها الآخر يسعى إلى استعادتها بصورة مثالية أو حالمة. ويتسرب هذا المفهوم إلينا كنساء ببطء وثبات، ولا عجب أن كثيرًا من النساء يعشن حالة مستمرة من القلق؛ فالسياق التاريخي والاجتماعي المتناقض الذي تتموضع فيه المرأة ضاغط ومعقد إلى حد كبير.

وربما جاءت بعض هذه التحولات الحديثة أيضًا في سياق يخدم التحولات الرأسمالية وسوق العمل المتغير، كما حدث تاريخيًا حين ارتبط خروج المرأة للعمل باحتياجات الثورة الصناعية. وعلى الرغم من أن هذا الطرح قد يبدو متحيزًا أو مطبوعًا بشيء من نظرية المؤامرة، فإنه يظل قابلًا للتأمل؛ فالمرأة كانت تاريخيًا عنصرًا فاعلًا في تشكيل التحولات الاقتصادية والاجتماعية وإعادة توجيه الأيديولوجيا السائدة، كما أن النساء أنفسهن ساهمن بدرجات مختلفة في ترسيخ بعض هذه النماذج وإعادة إنتاجها.

إن المرأة الحديثة تعيش حالة من التوتر المستمر بين ما تقوم به وما تشعر أنه يُفترض أن تكون عليه. تعمل في النهار، وتؤدي أدوارها الأسرية في المساء، وتحاول أن تحافظ على صورة اجتماعية متكاملة، بينما قد تجد نفسها في مرآتها الشخصية غير كافية، وهو شعور طبيعي أمام هذا الكم من الأدوار والتوقعات. فهي في مواجهة مستمرة مع الفجوة بين ذاتها الحقيقية والنموذج الذي صاغه المجتمع للمرأة المعاصرة.

وهنا تكمن الإشكالية في الصناعة المركبة لنموذج المرأة؛ إذ تعيش كثير من النساء وهن يحاولن اللحاق بهذا النموذج، متأرجحات بين الرغبة في الوصول إليه، والتعب من السعي نحوه، وأحيانًا عدم الرغبة فيه أصلًا. وهنا يبرز سؤال أعمق:

هل اختيارات المرأة اليوم نابعة بالكامل من إرادتها الحرة، أم أنها انعكاس لنموذج يُعاد إنتاجه وبلورته باستمرار؟

لكن هذا لا يعني أن الأنوثة بحد ذاتها عائق أمام القوة أو النجاح. فالمرأة ليست مطالبة بأن تتخلى عن طبيعتها حتى تصبح مؤثرة، كما أن الرجل ليس مطالبًا بالتخلي عن طبيعته حتى يكون إنسانًا متزنًا. فالتشابه في القيمة الإنسانية لا يعني التطابق في التكوين أو الأدوار أو الاحتياجات.

إن العالم لا يحتاج إلى نسخ متشابهة من الرجال والنساء، بل يحتاج إلى توازن صحي بين الطاقات المختلفة التي يحملها كل منهما. فالرجل لا يصبح أقل شأنًا لأنه لا يحمل طفلًا ، والمرأة لا تصبح أقل كفاءة لأنها أكثر اتصالًا بجانبها العاطفي أو الأمومي. الاختلاف هنا لا يصنع تفاضلًا، بل يصنع تنوعًا إنسانيًا ضروريًا لاستمرار الحياة وتوازنها.

ولعل من أكثر الأفكار المعاصرة إرباكًا محاولة تصوير الاحتياج المتبادل بين الرجل والمرأة بوصفه ضعفًا. بينما تبدو العلاقات الإنسانية الصحية قائمة أصلًا على قدر من الاعتماد المتبادل. فالمرأة تحتاج إلى الرجل بصفاته وطاقته الذكورية كما يحتاج الرجل إلى المرأة بأنوثتها وطاقتها المختلفة، وهذا الاحتياج لا ينتقص من استقلال أي طرف، بل يؤكد الطبيعة الإنسانية القائمة على التكامل لا التنافس.

إن الإشكالية لا تكمن فقط في القيود الخارجية، بل أيضًا في الترسبات الداخلية التي تشكل وعي المرأة بذاتها، وتجعلها تبحث عن الأجوبة دائمًا خارج نفسها بدلًا من أن تفتش عنها داخل تجربتها الشخصية. وفي ظل هذا الواقع، ربما يكون الطرح الأكثر إنصافًا هو إعادة النظر في الأساس نفسه؛ فليس المطلوب تحديد ما يجب أن تكون عليه المرأة، بل الاعتراف بأنها إنسان يملك الحق في اختيار نمط حياته دون أن يُختزل في تصنيف أو يُقاس وفق نموذج جاهز.

لكل امرأة تجربتها الفردية التي تتشكل وفق الظروف والرغبات والتحولات الشخصية. وربما تكمن الحرية الحقيقية في القدرة على التنقل بين هذه المساحات دون الشعور بالذنب أو النقص. فالمرأة الإنسان في حالة تشكل دائم، لا يمكن حصرها في تعريف نهائي أو في حالة اجتماعية واحدة.

تكتب فيرجينيا وولف في كتاب «غرفة تخص المرء وحده»، والذي نُشر قبل قرابة مائة عام:

"إن قيمة المرأة خلال مائة عام ستتبدل تمامًا، لن تكون النساء جنسًا يجب حمايته. فمن المنطقي أنهن سوف يمارسن كل الأنشطة والأعمال التي حُرمن منها من قبل، وسوف تختفي كل الفرضيات التي بُنيت عندما كانت النساء جنسًا لازم الحماية. لو أننا رفعنا عنهن الحماية، وعرضناهن للمشاق نفسها والأنشطة ذاتها، وجعلنا منهن جنودًا وبحارة وسائقي جرارات وعمال موانئ، عندما تكف الأنثى عن الانشغال بأنوثتها، وعندما يكف الآخرون عن حماية هذا الانشغال، يصبح من الممكن أن يحدث أي شيء."

أتساءل الآن كيف يمكن لفيرجينيا وولف أن تقرأ المرأة الحديثة، وهي تمارس اليوم كثيرًا مما حُرمت منه سابقًا، لكنها في الوقت ذاته ما زالت تخضع لرقابة ذاتية واجتماعية شديدة. صحيح أن المرأة لم تعد بحاجة إلى الحماية التقليدية بالمعنى القديم، لكنها ما زالت تبحث عن المعنى والطمأنينة والتوازن وسط عالم سريع التبدل.

وربما تكمن المفارقة في أن المرأة الحديثة لم تعد منشغلة بإثبات قدرتها على الوصول فحسب، بل أصبحت تحاول أيضًا أن تتصالح مع ذاتها وهي تصل. أن تنجح دون أن تشعر بأنها مطالبة بالتخلي عن أنوثتها، وأن تكون قوية دون أن تنفي حاجتها الإنسانية الطبيعية للآخر.

ومن هنا، يبدو أن ما تنبأت به وولف قبل مائة عام لا يبتعد كثيرًا عن الواقع الحالي، والذي اختصرته في عبارتها: «من الممكن أن يحدث أي شيء».


المصادر

·       ثمود بن محفوظ، مقال «لمَ لا تحكم المرأة العالم؟»، موقع ثمانية، 2017. 

·       أيوب أبو دية، الحجاب في التاريخ، بيروت، دار الفارابي، 2012.

Woolf, Virginia. A Room of One’s Own. London: Hogarth Press, 1929


بقلم جنان البريمي
و تحرير رنا حجَّار

© 2026 Al Jalees Culture Club. All Rights Reserved.
Written by Humans | Powered by Ghost